موقع وثيقتي موقع وثيقتي
السلك الإبتدائي

أخبار الموقع

السلك الإبتدائي
recent
جاري التحميل ...
recent

نموذج تحليليّ من شعر (إحياء النّموذج)





موقع وثيقتي
نموذج تحليليّ من شعر " إحياء النّموذج"-سعيد بكور
متنُ القصيدةِ:
                       تعيِّرُني هندٌ " لعلاّل الفاسي
1-أبعد مرور الخمــــس عشـرة ألعب \\\   وألهو بلذٌات الحـــياة وأطـــرب
2- ولي نظر عـــــال ونـــفس أبـٌــية   \\\   مقاما على هام المجٌرة تطلـــب
3- وعنـــدي امــــال أريد بلوغـــها \\\    تضيع إذا لاعبت دهري وتذهــب
4- ولـــي أمٌة منكودة الحظ لم تـــجـد \\\ سبيــلا إلى العيش الذي تتطٌلب
5- قضيت عــلـيـها عمـــــري تحسـرا \\\  فما ساغ لي طعم ولا لـذ مشـرب
6- ولا راق لــــي نوم وإن نمت لحـظة \\\  فإنــي على جمر الغضا أتقلٌـــــب
7- وصرت غريبا بين أهلي ومعشـــري \\\ ومن كان ذا فكر كفـــكري يــغرب
8- تعيٌرني هند نحولي وما درــــــت \\\  بأنٌــي من فرط التٌحسٌر مــــوصب
9- أن شفائـي عـــبرة لـو وجــدتها \\\   فيا رب: هل حتى المدامع تنضــب؟
 10- تباركت: هــل يبقى الشقٌاء مخيٌما \\\ على كـلٌ ذي عقل صـحيح ويدأب؟
11-  وهـــل تلد الأيٌــام مـــــــــــــــــــــــــــــــــــا لا أودٌه \\\  فأبقــى علــى طول المدى أتعذٌب؟
 12- تباركت: أنت العدل فاقْض بما تـرى \\\ فمــا العبد إلاٌ بالقضاء مرحٌــب

تحليلُ القصيدةِ:
جاءت حركة إحياء النَّموذج لتردَّ للشعر العربي قيمته ومكانته التي فقدها في عصور الانحطاط، جرَّاء الاهتمام بالشكل، والاعتناء باللفظ على حساب المعنى، وقد كانت غاية شعراء البعثِ انتشالَ الشعر من مستنقع الغثاثة والرَّداءة الذي غاصَ فيه إلى أذنيه، و حمل مجموعة من الشّعراء لواء هذه الحركة، نذكر منهم البارودي وأحمدَ شوقيّ وحافظَ إبراهيم من المشارقة، وعلال الفاسي من المغاربة الذين أسهموا في إعادة الاعتبار للشعر العربي القديم من خلال مجموعة من القصائد التي تمثَّل فيها نهجَ القدماء. فإلى أي حد تُمثل القصيدة موضوع الدَّرس شعر إحياء النموذج شكلا ومضمونا؟.
جاء عنوان النص جملة فعلية مكونة من فعل " تعيِّرُ" ومفعول به هو الضمير "ني" وفاعل " هند "، ويوحي العنوان دلاليا بأن امرأة تُدعى هند تعيِّر الشاعر على شيء ما وتلومهُ على أمر اقترفَه. ويظهر من العنوان أنّ الشّاعر يسير على هُدى القدماء في مخاطبةِ المرأة. فإلى أي حد يعكس العنوان مضمون القصيدة؟
واعتمادا على دلالةِ العنوان وشكل القصيدةِ العموديّ واسم الشاعر، واتكاءً على بعض المشيرات النصّيّةِ من قبيل : " لي نظر عال، لي أمة منكودة الحظ، فما ساغ لي طعم..." نفترض أن القصيدة تنتمي إلى شعر إحياء النموذج، ينقل فيها صاحبها معاناته الداخلية، وحالَ أمَّته المنكودةِ، إضافةً إلى الفخرِ بنفسهِ. فإلى أي حد تضح هذه الفرضية ؟ وإلى أيّ حدّ مثّل الشّاعر التيّار الذي ينتمي إليه فنّياّ؟
يبدأ الشاعر قصيدته بإنكاره على نفسه اللّعب واللهو والطرب بعد أن بلغ سن الخمس عشرة التي هي سن الجد في نظره، مفتخراً بنظره العالي ونفسه التي تتطلع دوْما إلى المعالي، لنيتقلَ بعد ذلك إلى وصف حال أمَّته الذي لا يسُرُّ، ذاكرا ما سبَّبه حالها من حرمان للنّوم ونحول للجسم، وما جرّهُ عليهِ من تعيير هندٍ لهُ، ويختم الشاعر قصيدته بالتوجه إلى الله متذرعا إليه أن يحدُّ من شقائه ومعاناته.
نستنتج مما سبق أن مضمون القصيدة قديم جديد، فالفخر بالذات ألِفْنَاه عند شعراءَ كُثُر كعمرو بن كلثوم، أمَّا وصف واقع الأمة فهو جديد نسبيّا، لذا كان الشّاعر محافظاً ومجدّدا في نفس الوقتِ.
يتوزع مُعْجمَ النَّص حقلان دلاليان؛ الأول دالّ على ذات الشاعر، وتنضوي تحته الألفاظ والعبارات التالية " ألعب، ألهو، عندي آمال، أتقلب..."، فيما الحقل الثاني دال على الجماعة(حالُ الأمّةِ)، وينضوي تحته ما يلي : " قضيت عليها، أمة منكودة الحظ، أهلي ومعشري..."، ونلاحظ من جرد الحقلين أن حقل "ذات الشاعر" كانت له الغلبة والهيمنة لأن غاية الشاعر في القصيدة إبراز معاناته الذاتية جرَّاء تخلف أمته، والعلاقة بين الحقلين قائمة على السّببية، ومعنى ذلك أن تدهور حال أمة الشاعر تسبَّبَ في معاناته.
نلاحظ من دراستنا للمعجم أنّ لغته متوفرة على قدر كبير من الجزالة والرّصانة والفخامة والقوة، وهي لغة ذات نفس تقـليدي تشبه إلى حد كبير لغة القدماء.
وإذا انتقلنا ناحية الإيقاع الخارجي وجدنا الشاعر قد نظم القصيدة على بحر الطويل، و هو بحر واسع المساحة ممتدُّ التفعيلات، أعطى للشاعر الفرصة ليعبر عن حاله وحال أمته بحريّة وطلاقةٍ، وفيما يتعلـق بالقافية فقد جـاءت موحّدة في كل القصيدة < /0//0 >، وهي تارة تأتي كلمة " أطربُو " وتارة بعض كلمة كما في البيت الرّابع " طَلْلَبُو "، وتكمنُ جمالية القافية الإيقاعية في ترداد نفس الحركات والسكنات نهاية كل بيت الشّيء الذي يعطي نهاية الأبيات انتظما وتماثلا وتوازيا صوتيّا يسهمُ في خلقِ الوظيفة الصّوتيّة والجمالية والمعنويّة، ولا ننسى الإشارةَ إلى التصريعِ الظّاهرِ في بداية القصيدة؛ حيث تبعت العروض "تَأَلْعَبُو" والضرب "وأَطْرَبُو" في النقصان، مما أعطى لبداية القصيدة جرسا موسيقيا يطرب الأذن ويهزّ النفس.
وإذا انتقلنا ناحية الرّوي وجدناه موحدا في كل القصيدة ومضموما، ويعكس ضمّه رغبة الشاعر وعزمه على التخلص من آلامه، وفيما يخص الإيقاع الداخلي فقد جاء غنيا حيث ركز فيه الشاعر على التّكرار بأنواعه المختلفة.
تكرار الصوائت : كالضم والكسر.
تكرار الألفاظ: تباركت.
التكرار العروضي؛ ويتمثل في تكرار نفس البحر في كل بين ونفس القافية ونفس الروي. وقد خلق التكرار فاعلية موسيقية قوية جعلت القصيدة مؤثرة وغنية من الناحية الإيقاعية.
وهكذا نرى أن الشاعر يتمثل القدماء في التـزامه ببحر شعري قديم قافية مطّردةٍ ورويٍّ موحّدٍ، إضـافة إلى التصريعِ في بداية القصيدة .
ولم ينس الشاعر توظيف قدر كافٍ من الصور الشعرية لِما لها من دور في إضفاء الجمالية والرّونق وتقديمٍ المعنى في قالبٍ ماتعٍ، وهكذا وظف الاستعارة في البيت التاسع في قوله " المدامع تنضب " أي تجفُّ، حيث استعار "الجفاف" من ينابيع الماء وأسندهُ إلى المدامع، حاذفاً المستعار منه (الينابيع) رامزاً إليه بالقرينة (تنضب) على سبيل الاستعارة المكنية التّبعية، وتتمثل وظيفة هذه الاستعارة في التعبير عن حقيقة معاناة الشاعر، وما ذَرفه على أمته من دموع إلى درجة أنّ مدامعه جفت، ونجد في البيت الحادي عشر استعارة في قوله " وهل تلد الأيام " بحيث استعارَ صفة الولادة من الأنثى وأسندها للأيام، فحذف المستعار منه " الأنثى " ورمز إليه بالقرينة "تلد" على سبيل الاستعارة المكنية التبعية، وتبرز هذه الاستعارة خوف الشاعر من قادم الأيام ومصائب الدّهر، ولا يخفى على الناظر ما أضافته هذه الاستعارة وغيرها من جمالية وبعد تخييليّ.
كانَ اعتمادُ الشّاعر على الاستعارةِ كبيراً لكونها أقدَرَ الصّور الشعرية على نقلِ المعنى ووصف المعاناة التي تعتمل داخلَه، وعليه لم يجدّد الشاعر في صوره إلا بالقدر الذي عبّرت فيه عن معاناته.
وفيما يخص الأساليب. وظف الشاعر الأسلوب الخبري ليصف لنا حال أمته وحالته ومن أمثلة ذلك : " لي نظر عالي، هي أمة منكودة الحظ..."، كما وظف الأسلوب الإنشائي مُمَثلا في الاستفهام " أبعد مرور الخمس عشر ألعب " الذي يفيد الإنكار والتعجب، كما نجد استفهاما في قوله " هل حتى المدامع تنضب؟ " ويفيد هذا الاستفهام التحسر والألم، وإلى جانب الاستفهام نجد أسلوب الأمر في قوله "فاقْضِ بما ترى" حيث خرج الأمر عن معناه الحقيقي ليفيد التضرع وإظهار الضعف والاستسلامَ، والملاحظ أن الأسلوب الخيري كان له قصبُ السبق، لأن غاية الشاعر في القصيدة متّجهةٌ إلى إبراز معاناته بسبب تدهور حال أمته.
عمل الشاعر في قصيدته على تشريح واقع أمّته المريضِ، مبرزا ما خلّفه التفكير في حالها المزري الذي يغلبُ عليه التخلّف من معاناة نفسية ونحولِ جسمٍ ، عاملا في نفس الوقت على الفخر بنفسه الأبية التي تطمحُ للعلى والمجدِ، وقصد من وراء ذلك إلى إبراز نفسه في صورة الرّجل النّاضج عقلا وفكرا –وهو الطّفل الذي لم يجاوز الخمس عشرة- الذي يفكر في حال أمته وواقعها المرير، ووظّف لذلك معجما من حقلين ولغة على قدر كبير من الفخامةِ، وصورا شعرية أضافت للنصّ رونقا وبعدا تخييليّا، ناهيكَ عن الإيقاع المنظّم المتناسق، ونخلص في نهاية المطاف إلى التأكّد من صحّة الفرضيّة المطروحةِ آنفا وانتماء القصيدة إلى خطاب إحياء النّموذج، حيث تمثّل فيها الشّاعر طريقة القدماء شكلا ومضمونا اللهمّ بعض االتّجديد الذي مسّ جانب المضمون. فهل كان الشّاعر موفّقا في تمثيل هذا الخطاب ِفي قصائده الأخرى؟


                                                               موقع وثيقتي- سعيد بكّور

بقلم : ادارة موقع وثيقتي

بقلم : إدارة موقع وثيقتي

أستاذ و تقني متخصص في الهندسة البرمجية و تنمية المعلوميات.هذا العمل لن يستمر إلا بفضل تشجيعاتكم وتقديم اقتراحاتكم و مساهماتكم و باب الانضمام مفتوح دائما.وفقنا الله وإياكم.

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة لــ

موقع وثيقتي

2014-2018